|
كشفت نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة وتداعياتها الخطيرة في الساحة الإيرانية على أهمية خاصة في الفكر الوطني العربي والإسلامي، لا لأنها مثلت وبلورت حجم درجات الصراع القائم بين مرشحي الرئاسة في إيران وعمق الاختلاف على السلطة في هذا البلد فحسب بل لأنها كانت مقياس للرؤية والحسابات يُظهر بوضوح حقيقة الوضع الداخلي الإيراني وطبيعة الأهداف والطموحات التي يصبو إليها شعب شاب مُثقف وواع للحالة التي أوصلها الدين السياسي الإيراني للبلاد. ولتجنب الانحياز واللا موضوعية في هذا الطرح المهم، وبغض النظر من موقفنا الواضح عن طبيعة النظام الإيراني وحقيقة إستراتيجيته القومية الشرسة في منطقة الخليج العربي، دعونا ننظر ونقرأ هذا الحدث وتطوراته الخطيرة لمستقبل إيران الاستراتيجي بعيدا عن فلسفة العداء والثأر الناتجة من التدخل الإيراني في العراق، وبعيدا أيضا عن هذه العاطفة الدينية النابعة من ضميرنا وتفكيرنا الإسلامي الاجتماعي، وعمق جذوره الإنسانية المتضامنة التي قد تُحيد وتعمي أبصارنا من رؤية الحقيقة وتشخيص الأخطار. خصوصا وأن الشعب الإيراني المسلم قد عانى ويعاني من ضغوطات متعددة المصادر ابتداء بظلامية النظام الشمولي الحالي ومسؤوليته في التردي الحاصل في مستوى معيشة الشعب الإيراني ومرورا بالتهديدات القادمة من ألإدارة الأمريكية وإسرائيل فيما يتعلق بالموضوع النووي، والتلويح بسببه بين حين وأخر بشن حرب على إيران. وهكذا تضع هذه الأحداث الشعب الإيراني في حالة من الخوف والقلق من احتمال تعرضه للسيناريو الكارثي الذي يستفحل بكيان الوطن العراقي ومأساة شعبه. لم تستطع 'دولة ولاية الفقية' من استحقاق الثقة وان تنقل المجتمع الإيراني الثائر على ظلم الشاه إلى ظروف أفضل. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المكانة التي وصل بها الدين السياسي المتشدد وتراجع مكانته في المجتمع، وباعتراف الجهات الرسمية الإيرانية، تبين إن 85' ممن ولدوا بعد الثورة التي نزلت اليوم إلى الشارع لا تصدق هذه الفلسفة الدينية ولا تمارس الشعائر الدينية، وهذا سببه على الارجح الممارسات القمعية التي يقوم بها أقطاب السلطة بإسم الدين والصورة المشوهة التي تقدمها العمائم المعممة من حكام إيران عن الدين الإسلامي الحنيف بالإضافة إلى الفساد وكبت للحريات العامة والفتك بالمعارضين ناهيك عن سيطرة رجال الدين على جميع مناصب الأجهزة القمعية والبوليسية وإدارة المال العام. ولم يكن حال المجتمع العراقي بأفضل من جاره ألإيراني. لقد وجدت الفلسفة الدينية العنصرية مكانا مهماً في المجتمع العراقي بعد أن تم تدمير الدولة العراقية وتشريد وقتل النخبة الوطنية العراقية في أجهزة الدفاع الوطني من جيش وشرطة. ومن أجل إحياء مشروع الخميني القومي، الشيعي المظهر.
النموذج الإيراني في النسخة العراقية من ولاية الفقية
لقد عمد كبار رجال الدين في الهرم الإيراني بتدخلهم في المجتمع العراقي إلى تثبيت مفهوم ظلامي خاص بهم، يعطي حق ودور للمرجعية الدينية على دور الدولة السياسية والحقوق الاجتماعية في المجتمع العراقي، كالتعليم وحقوق المرأة والأسرة وفقا للنموذج الإيراني. ومنذ عام 2003 أصبح العراق مباحا للإيرانيين بمختلف أجهزتهم وعلى حساب غياب أرضية صلبة لمجتمع مدني عانى ما عاناه من السلبيات الداخلية من حروب وحصار ساهمت في القسم الكبير منه الإدارة الأمريكية. النقطة الجديرة بالملاحظة في هذا السياق هو أن المحافظين وعلى رأسهم أحمدي نجاد كانوا يؤيدون منذ البداية فكرة أن يتــــولى الائتلاف الطائفي الحكم في العراق ومقاسمة أمريكا في الاحتلال، لأن ذلك من وجهة نظرهم يضاعف من حجم النفوذ الإيراني داخل العــــراق ومن إمكانية إقامة حكومة دينية على علاقة قوية بإيران، بينما لم يظـــهرالإصلاحيون وعلى رأسهم الرئيس السابق محــــمد خاتمــــي إشارة واضـــحة في هذا الموضوع. ولم تبخل دولة 'ولاية الفقيـــة الإيرانية' بالمبادرات المساندة للحكم الطائفي الذي زجه الاحتلال في العراق . لقد كانت الدولة الإسلامية في طهران أول من اعترف بـ 'مجلس حكم العراق'. وكان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الذي يتظاهر الشارع الإيراني اليوم ضده أول رئيس إقليمي يزور بغداد. لا يخفى على أحد أن لإيران أصدقاء مهمين في المشهد العراقي الحالي لا سيما علاقات إيران بالميليشيات النافذة في الساحة السياسية الحالية، ولم تكن 'حكومات الدمى' إزدواجية المنشأ التي توالت في حكم الــــعراق سوى لعبة في يد طـــهران يستفاد هؤلاء من خلالها وبحسابات طائفيـــة وسيـــاسية للتــشبث في كرسي الحكم. لقد شهد العراق ويشهد لحد هذه اللحظة محاولات لفرض نظام 'ثيوقراطي' بنسخ محلية قريبة للنظام الثيوقراطي الإيراني، يسهل لمسها من خلال الواقع العملي والممارسات السلبية اليــــومية الخاصة بحـــقوق المرأة والمبالغة في تديين المجتمع العراقي بالعديد من المسيرات المليونية ناهيك عن طغيان الفتاوى الثيوقراطية ألــــظلامية وعلى حســـاب القرارات الوطنية الديمقراطية. ولا يقتصر الأمر في استغلال الدين عند هذا الحد بل يتعداه إلى محاولات لفرض أحزاب إسلامية وبائتلاف طائفي تابع لإيران في حكم العراق في الوقت الذي وجب فيه تعزيز الهوية الوطنية للشعب العراقي وروح المواطنة لها والتي بدونها لا يمكننا الحديث عن الاستقرار وحماية وحدة العراق بغض النظر عن كل ألهويات الدينية والطائفية والعرقية. إن مجمل ملامح هذه التوجهات قد أثارت التساؤل حول طبيعة النظام الذي يروج له المولعون بالثقافة الإيرانية من حكام العراق الجدد. لقد استنسخ المسؤولون في الائتلاف الطائفي وغيرهم من المشاركين في دفة الحكم وباختلاف معتقداتهم النموذج الإيراني، وانتهزوا الفرص لزيارة المرجع الديني بحجة اخذ التوجيهات في الوقت الذي ما زالوا يظهرون حماسهم الساذج للديمقراطية المستوردة التي تعني حكم الشعب بنفسه. لا غرابة من أن نجدهم في هذا التناقض بين ديمقراطية الاحتلال العسكري الأمريكي و ثيوقراطية خامنئي الإيرانية، فهم لا يرون فــــي هذه الازدواجية سوى حالة طبيعية لطغيان النظام الإيراني في العراق وجبروته، فهم موجودون بوجوده ويباركون مرجعيتهم بمرجعيته طالمـــا كانت مناصبهم تسمح لهم بأن يكونوا في الموقع المُفضل الذي أختاره المُحتل الأمريكي لنوعية الحكم الســــياسي الطائفي لعراق اليوم. تطورات الشارع الإيراني وثورته المدنية وأثرهما في التغير القادم للعراق والمنطقة. وبالرغم من قدرة النظام الإسلامي في إيران في إدارة معظم ملفات السياسة الخارجية ويضمنها هذا التدخل المباشر في شؤون العراق، فإن ثمة تحديا إيرانيا داخليا يواجه هذا النظام في الوقت الحاضر من استمرار وجوده وتدخله في العراق والمنطقة، يتمثل في تطلعات الجيل الثالث من الثورة أي الشباب الإيراني، والذي يبدو في تصرفاته وتوجهاته في الأحداث الأخيرة مخالفا بشكل كبير لتوجهات نظام الجمهورية الإسلامية في تصدير الثورة والتدخل في السياسي والديني في العراق. الأمر الذي يؤكد أن هذا النظام يواجه تحديا داخليا لا يقل في خطورته عن التحديات الإقليمية والدولية التي تواجه إيران، وبالتالي فأن هذه الثورة المدنية الإيرانية قد تعيد رسم خريطة التوازنات الإستراتيجية في المنطقة عن طريق إضعاف نفوذ الدين السياسي الطائفي لولاية دولة الفقية في العراق ولبنان والخليج العربي. وبمعنى أخر تقلص من مساحة تحرك إيران في المنطقة وبالتالي خروج العراق من نفوذها الذي بدأ عام 2003. ولكن ماذا بعد إخفاق الدولة الإسلامية في إيران وسقوط قدسيتها بعمليات التزوير الانتخابية وبالتالي فشلها في تحقيق (الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي). وماذا بعد أيضا من بروز هذه النسخة من نظام 'ولاية الفقية' الفاشلة أمام أنظار الشعب العراقي والعالم الآن والتي تنبأ بها كل ذي بصيرة واهتمام بالشؤون الإيرانية. ثمة مؤشرات جديدة في المشهد العراقي الحالي، تستحق التأمل و التفكير، وربما أهم ما تطرحه أنها مؤشرات على وجود تغيرات في الموقف العراقي الرسمي الحالي ونكران ' للفضل الإيراني ' ودور دولة ولاية الفقية. لقد كانت تصريحات ما يسمى بقادة العراق الجديد الأخيرة (بأنهم لا يستسيغون تلقي التعليمات والأوامر من طهران) و( بأن إيران تقدم مصالحها القومية على الاعتبارات الأخرى، ولو كانت مصالح الشيعة بالعراق)، هي نتيجة طبيعية في التحول في الرؤية إزاء التطورات السياسية في إيران والتي سوف يحكمها في المقام الأول طبيعة النظام الإيراني المدني القادم وموقف القوى السياسية الإيرانية القادمة من القضايا التي تُمثل قاسما مشتركا مع العراق بعد التزوير الواضح للولي الفقيه لإرادة الشعب الإيراني في انتخاب من يريد. ما كان للعراق المُحتل في أن يصل إلى هذه الحالة الخطيرة من الفساد والطائفية والتشرذم في الساحة السياسية لولا هذا الوجود الإيراني ونفوذه في المجتمع العراقي المؤمن والمتسامح. لنا ثقة بالشعب الإيراني المُسلم في نضاله من أجل إرجاع حقوقه المدنية والسياسية. لقد كانت للتغيرات الإيرانية السلبية السابقة ووصول نظام الخميني إلى السلطة في إيران تأثير مُباشر وخطير على الحالة السياسية والاجتماعية للعراق. إن التحريض المذهبي الذي مارسته إيران في العراق حولت أرض هذا البلد إلى مستنقع من الدم المسفوك باسم الدين وباسم المبادئ والقيم والأخلاق الشريفة. لنا ثقة أيضا في النخبة الوطنية العراقية في تخطي سرطان الطائفية والتمسك بمرجعية العراق الوطنية لملء الفراغ بعد خروج الاحتلال وزوال مخلفات وتخلف 'دولة ولاية الفقية' الظلامية ليعود العراق بثقافته المُتسامحة عزيزا ومكرما في عيون وقلوب جميع العراقيين. ناشط سياسي في تيار المواطنة الوطني العراقي 17
|